تواجه برشلونة صيفاً أطول وأكثر حرارةً مع تفعيل خطتها الطموحة لمواجهة الحرارة ، وهي استراتيجية مصممة للتصدي لارتفاع درجات الحرارة والليالي الاستوائية التي أصبحت جزءاً من الحياة الحضرية في العاصمة الكاتالونية. وقد أطلق مجلس المدينة هذه الخطة التي تمتد لعشر سنوات باستثمار يزيد عن 111 مليون يورو، بهدف حماية الفئات الأكثر ضعفاً، مثل كبار السن والأطفال والمصابين بأمراض مزمنة والعاملين في الهواء الطلق.
تتضمن خطة مكافحة الحرارة ما يقارب خمسين إجراءً محدداً، من بينها إنشاء شبكات ملاجئ مناخية، وتعزيز المناطق المظللة في الأماكن العامة، وإعداد تدريبات لاختبار قدرة المدينة على تحمل درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية . ورغم هذه التطورات، يتوقع الخبراء أنها لن تكون كافية دون تحول جذري في النموذج الحضري والتزام بتجديد شامل للمساكن في المدينة.
الحرارة وعدم المساواة وضعف الطاقة
بحسب وكالة الصحة العامة في برشلونة، تم تسجيل 240 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة خلال صيف عام 2024. والتوقعات ليست مبشرة: فموجات الحر لن تصبح أكثر تواتراً فحسب، بل ستصبح أيضاً أكثر حدة في السنوات القادمة.
مع ذلك، لا تؤثر هذه المشكلة على جميع الأحياء بالتساوي. فأحياء مثل إل بيسوس إي إل ماريسما، وبون باستور، وترينيتات فيلا ، وسيوتات ميريديانا، تواجه خطرًا أكبر بسبب ندرة المساحات الخضراء ، والأسطح الإسفلتية، وعدم كفاية تكييف المساكن . ويرى سلفادور رويدا، من مؤسسة البيئة الحضرية والإقليمية، أن الحل يكمن في " إعادة التفكير في الفضاء العام " والتحول نحو نموذج المجمعات السكنية الكبيرة، الذي يهدف إلى توفير مساحات لمساحات خضراء جديدة وتحويل الإسفلت إلى أسطح أكثر نفاذية وتبريدًا. وتساعدنا قياسات الحرارة الداخلية على الكواكب الأخرى في فهم المناخات الحضرية بشكل أفضل.
يؤدي هذا النقص في التكيف والموارد إلى فقر الطاقة، حيث تفتقر العديد من الأسر إلى الوسائل اللازمة لحماية نفسها من درجات الحرارة القصوى شتاءً وصيفاً. وكما يوضح الباحث البيئي فرانسيسك بارو، " لا يزال السكن يمثل التحدي الأكبر ". وللحد من التفاوتات بين الأحياء، لا يكفي التركيز فقط على المساحات العامة ؛ بل من الضروري أيضاً ترميم المساكن وتقديم دعم أكبر للفئات الأكثر تضرراً.
ومن المخاوف الأخرى التي تثير قلق الخبراء الوفيات الصامتة الناجمة عن الحرارة ، وخاصة خلال الليالي الاستوائية، مما يجعل الراحة صعبة ويمكن أن يؤدي إلى مشاكل صحية معرفية، لا سيما لدى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر.
ملاجئ المناخ والاستراتيجيات الحضرية الجديدة
تشمل التدابير الرئيسية في الخطة تركيب 200 هيكل تظليل جديد ، وتكييف 170 مدرسة حكومية ، واستبدال الأسفلت بحلول أكثر كفاءة حرارية، وإعادة تأهيل المناطق الحضرية الكبيرة. ومع ذلك، يرى الخبراء أن زراعة الأشجار ليست سوى جزء من الحل، إذ يتطلب الأمر تصميمًا استراتيجيًا للغطاء النباتي لتحقيق تظليل فعال وخفض ملحوظ في درجات الحرارة. تحذيرات موجات الحر وآثارها على المدن
اكتسبت برشلونة شهرةً واسعةً بفضل شبكتها من الملاجئ المناخية ، التي تستخدم المرافق العامة كالمكتبات والمراكز المجتمعية والمتاحف والحدائق لتوفير ملاذٍ من موجات الحر. مع ذلك، يجهل جزء كبير من السكان وظيفتها أو يجدونها محدودةً بساعات النهار ، مما يُبقي خطر ارتفاع درجات الحرارة ليلاً دون معالجة.
في عام 2027، من المقرر إجراء محاكاة لموجة حر شديدة ، سترفع درجة حرارة المدينة إلى مستويات غير مسبوقة لتقييم فعالية البروتوكولات وقدرة البنية التحتية والخدمات العامة على الصمود. ويرى بعض الخبراء أن هذه الإجراءات وسيلة للاستعداد لأحداث مستقبلية، بينما يؤكد آخرون على ضرورة استجابة شاملة ووقائية للحد من آثارها.
مشاركة المواطنين والعدالة المناخية

يُقرّ برنامج مواجهة موجات الحرّ بأنّ الحرارة تُفاقم التفاوتات الحضرية والاجتماعية ، لكنّ السؤال المطروح هو كيف نضمن وصول الحماية إلى الجميع؟ يرى الخبراء والمنظمات الاجتماعية أنّ العدالة المناخية يجب أن تترافق مع مشاركة حقيقية من المواطنين ، مع مراعاة الخصائص المحددة لكلّ حيّ، وإشراك من يعانون من آثار تغيّر المناخ بشكل مباشر في عملية صنع القرار. ويؤكدون أنّ هذه هي الطريقة الوحيدة لمنع ارتفاع درجات الحرارة من توسيع الفجوة الاجتماعية القائمة.
تُعدّ برشلونة عرضةً للخطر بشكل خاص بسبب كثافتها السكانية العالية: إذ يزيد عدد سكانها عن 3,3 مليون نسمة في مساحة لا تتجاوز 636 كيلومترًا مربعًا . وقد أظهرت موجات الحر الأخيرة زيادة بنسبة 27% في معدل الوفيات ، كما تُشكّل الليالي الدافئة بشكل غير طبيعي (الاستوائية أو الاستوائية) تحديًا كبيرًا للصحة العامة المحلية.
مستقبل تحت الضغط: ما تتوقعه الدراسات العلمية
أكدت دراسة حديثة أجراها معهد علوم وتكنولوجيا البيئة في جامعة برشلونة المستقلة (UAB) أنه في حال عدم كبح انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فقد تزداد حدة موجات الحر في برشلونة بمقدار ست درجات مئوية بحلول نهاية القرن . وتتوقع الدراسات ارتفاع متوسط درجات الحرارة القصوى بنحو أربع درجات، ومتوسط درجات الحرارة الدنيا بنحو ثلاث درجات ونصف بحلول عام 2100، مع تجاوز درجات الحرارة القصوى في بعض الأحياء 45 درجة مئوية خلال فترات الحر الشديدة. موجات الحر وتأثيرها على المدن
تجمع النماذج العددية المستخدمة بين البيانات الجوية التاريخية وسيناريوهات الاحتباس الحراري العالمي، مُحاكيةً الأحداث الأخيرة في ظل ظروف مستقبلية أكثر دفئًا. سيؤدي تضاعف ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وزيادة استقرار الغلاف الجوي إلى زيادة مدة وشدة موجات الحر، مما يُفاقم تأثير "الجزيرة الحرارية" الحضرية ويطيل فترات الليالي الحارة.
وفي هذا السياق، ستنخفض أيضًا الرطوبة النسبية للهواء، مما يسهل وصول درجات الحرارة في البيئة وعلى الأسطح الحضرية إلى قيم متطرفة، خاصة في المناطق الخالية من الظل والأشجار.
إعادة التطبيع والتكيف: مسار إلزامي
نظراً لبطء وتيرة خفض الانبعاثات، يؤكد الخبراء على أن تكييف المدينة يمثل أولوية قصوى . وتدعو خطة مكافحة الحرارة وغيرها من الاستراتيجيات، مثل خطة برشلونة للمناخ، إلى اتخاذ تدابير تتراوح بين إنشاء مساحات خضراء وأسطح خضراء، وتحسين إدارة الحرارة في المباني العامة، وتعزيز وسائل النقل العام. وتهدف المدينة إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 40% بحلول عام 2030، وتحقيق ما لا يقل عن 1,6 كيلومتر مربع من الظل الحضري.
تشمل أمثلة الممارسات الجيدة تحويل الشوارع المعبدة إلى ممرات خضراء، وفتح ملاعب المدارس كملاجئ مناخية، وتعزيز البنية التحتية الخضراء، وفقًا لقاعدة 3-30-300 : أن يكون كل شخص قادرًا على رؤية ثلاث أشجار من نافذته، وأن تكون 30% على الأقل من المساحة الحضرية خضراء، وأن يكون كل ساكن على بُعد 300 متر من حديقة. وقد لوحظ ازدياد في الوفيات المرتبطة بالحرارة في إسبانيا وبرشلونة.
يتفق الخبراء على أن المظلات والعناصر الاصطناعية وحدها لن تكون كافية ؛ فالحل يكمن في زراعة أشجار كبيرة، واستخدام تربة مسامية، وإعادة تأهيل الأراضي الشاغرة، وتكييف الأسقف والواجهات لامتصاص حرارة أقل. بهذه الطريقة فقط تستطيع المدينة أن تكتسب مرونة وتوفر المأوى لجميع سكانها.