يُمثل اتفاق باريس علامة فارقة غير مسبوقة في تاريخ تغير المناخ، وهو اتفاق عالمي وقّعته أكثر من 195 دولة عام 2015 خلال مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين (COP21) في باريس. ويهدف هذا الاتفاق إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ، ساعيًا إلى إبقاء ارتفاع درجة حرارة الأرض أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، والعمل على الحد منه إلى 1.5 درجة مئوية للتخفيف من الآثار المدمرة لتغير المناخ. وقد اعتُبر اتفاق باريس خطوة حاسمة نحو انتقال عادل ومستدام ، إذ يُتيح للدول فرصة الالتزام بتبني سياسات أكثر طموحًا تضمن مستقبلًا مستدامًا للأجيال القادمة.
على الرغم من هذا السياق المحفز وخطورة أزمة المناخ، كان تحرك إسبانيا في هذا المجال معتدلاً، بل ومخيباً للآمال في بعض الأحيان. وهذا أمرٌ مثير للقلق بشكل خاص، لا سيما وأن إسبانيا من بين أكثر الدول عرضةً لتغير المناخ. ومع ذلك، لم تصادق إسبانيا حتى الآن بشكل فعلي على اتفاقية باريس، مما يثير تساؤلات حول التزامها الحقيقي بالجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ.
أعربت منظمات بيئية إسبانية، مثل غرينبيس، وأصدقاء الأرض، وعلماء البيئة في العمل، والصندوق العالمي للطبيعة، ومنظمة حماية الطيور ، عن استيائها من تقاعس الحكومة الإسبانية خلال قمة المناخ التي عُقدت في مراكش (COP22). ووجهت انتقادات حادة، على وجه الخصوص، للحكومة التي يرأسها ماريانو راخوي، بسبب افتقارها للقيادة، ويتجلى ذلك في قرارها عدم التصديق على اتفاقية باريس وغياب الرئيس عن القمة، وهو ما فسّره كثيرون على أنه مؤشر واضح على أن قضايا أخرى لها الأولوية على أجندتها السياسية.
لقد تفاقم الوضع في الآونة الأخيرة، حيث تخلفت إسبانيا عن غيرها من الدول الأوروبية في التزامها بمكافحة تغير المناخ. وتشير البيانات الحديثة إلى أن دولاً مثل ألمانيا وفرنسا والبرتغال والسويد ، وحتى المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي ، قد تصدّرت المشهد في تطبيق سياسات مناخية فعّالة. وهذا يدل على أن الحكومة الإسبانية قد تأخرت في تبني سياسات فعّالة لمواجهة أزمة المناخ، في وقتٍ بات فيه اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة أمراً بالغ الأهمية.
في ختام قمة مراكش للمناخ، حثت المنظمات البيئية جميع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان الإسباني على جعل مكافحة تغير المناخ محوراً أساسياً في التشريعات الحالية، مؤكدةً أن التقاعس عن ذلك يُعدّ إخفاقاً جسيماً. ومن الأهمية بمكان أن يُدرك جميع الفاعلين السياسيين في البلاد خطورة الوضع، وأن يتخذوا الإجراءات اللازمة لتنفيذ تدابير تُقلل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ، وتُعزز الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون. علاوة على ذلك، تُعدّ الدروس المستفادة دولياً بشأن الامتثال لاتفاقية باريس أساسيةً لإثراء الاستراتيجيات المحلية وتحسينها.
يُعدّ غياب خطة وطنية متكاملة للطاقة والمناخ (PNIEC) تُحقق أهداف اتفاقية باريس أحد أبرز الانتقادات الموجهة للحكومة الإسبانية . فبحسب تقارير عديدة، تُحدد خطة 2021-2030 هدفًا لخفض الانبعاثات بنسبة 21% مقارنةً بمستويات عام 1990، متجاهلةً حقيقة أن الانبعاثات قد زادت بنسبة 18% منذ ذلك الحين . وبالتالي، حتى في أفضل الأحوال، ستبقى إسبانيا عند نفس مستويات الانبعاثات في عام 2030 كما كانت في عام 1990، وهو أمر غير مقبول بالنظر إلى أن اتفاقية باريس تنص على خفض الانبعاثات بنسبة 40% على الأقل .
لقد شكّلت أزمة المناخ وجائحة كوفيد-19 تحديات فريدة للحكومات في جميع أنحاء العالم، لكنها أتاحت أيضاً فرصة لإعادة تصميم الاقتصادات نحو أنماط أكثر استدامة . وفي هذا الصدد، يجب أن يتضمن التعافي الاقتصادي ما بعد كوفيد-19 تدابير لا تعزز الصحة الاقتصادية فحسب، بل تكون أيضاً مسؤولة بيئياً ومستدامة. ويتعين على الحكومات أن تتحلى بالجرأة وأن تقترح سياسات لا تفي بأهداف اتفاقية باريس فحسب، بل تتجاوز تلك الالتزامات من خلال معالجة أزمة المناخ بفعالية. ويمكن أن يكون دعم أوروبا، كما يتضح من مشاركة الصين وأوروبا في اتفاقية باريس ، حاسماً لتحقيق هذه الأهداف.
لتعزيز التزاماتها الدولية، يتعين على إسبانيا العمل على تحقيق هدف خفض انبعاثاتها بنسبة 55% على الأقل بحلول عام 2030. إن عدم القيام بذلك يُنذر باستمرار التقاعس عن العمل المناخي، ويزيد من هشاشة البلاد أمام مستقبل يزداد غموضاً نتيجة لتأثيرات تغير المناخ . وقد سُمعت أصوات المجتمع المدني، ولا سيما الشباب ، مطالبةً باتخاذ إجراءات فورية وحاسمة في سبيل بناء مستقبل مستدام.
لتحقيق ذلك، من الضروري أن تواصل منظمات مثل غرينبيس وغيرها من الجماعات البيئية الضغط على الحكومات للوفاء بأهداف المناخ والالتزام بإجراءات ملموسة. يُعدّ الحشد الاجتماعي عنصرًا أساسيًا في مكافحة تغير المناخ، ويمكن للضغط الشعبي أن يؤثر على القرارات السياسية، ويشجع الحكومات على العمل وفقًا لما يقتضيه العلم. على سبيل المثال، يُظهر الوضع الراهن في ألمانيا مدى إلحاح هذه الإجراءات.
يجب أن تكون أهداف المناخ طموحة ومتوافقة مع توصيات الخبراء والعلماء، إذ أن أي إجراء لا يستند إلى العلم لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الآثار المدمرة لتغير المناخ. وتُعد المشاركة الفعّالة في قمم المناخ، مثل مؤتمر الأطراف (COP) ، وتطبيق سياسات تُخفّض الانبعاثات فعلياً، خطوات أساسية يجب على الحكومة الإسبانية اتخاذها. فالأجيال القادمة ستعتمد على القرارات التي تُتخذ اليوم، لذا من الضروري التحرك الآن لتجنب مستقبل كارثي.
إن آثار تغير المناخ ليست مجرد سيناريوهات كارثية بعيدة المنال؛ فنحن نخلق بالفعل حاضراً مليئاً بالأزمات والجفاف والفيضانات والظواهر الجوية المتطرفة التي تؤثر بشكل غير متناسب على المجتمعات الأكثر ضعفاً، سواء في إسبانيا أو في جميع أنحاء العالم. لذلك، من الضروري أن تكون سياسات المناخ شاملة وعادلة، وأن تسعى إلى ضمان العدالة الاجتماعية في الانتقال إلى مستقبل مستدام.
إن اتفاق باريس يمثل فرصة فريدة يتعين على إسبانيا اغتنامها، والتصرف بسرعة وحزم للوفاء بالتزاماتها بمكافحة تغير المناخ. الآن هو وقت العمل، وتقع المسؤولية على عاتق كل واحد منا، بشكل فردي وجماعي، لضمان مستقبل قابل للحياة وصحي للجميع. لقد حان الوقت لتحويل الأقوال إلى أفعال فعالة لحماية كوكبنا وجميع سكانه.