نادراً ما تجلب درجات الحرارة المرتفعة أي خير. فقد تؤدي إلى ظواهر جوية متطرفة ، مثل ازدياد الأعاصير نتيجة ارتفاع درجة حرارة المياه، وتفاقم الجفاف، واشتداد حرائق الغابات. ومع ذلك، ثمة ارتباط وثيق بين ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات الوفيات ، وهو ما يستدعي اهتماماً عاجلاً، لا سيما في عالم يواجه تغير المناخ. لمزيد من المعلومات حول آثار هذه الظواهر، يمكنكم الاطلاع على مقال آثار موجات الحر.
يواجه الجميع مخاطر. وتُصبح الأنشطة والعمل في الهواء الطلق خطيرةً للغاية خلال موجات الحر. ومن الأمثلة المأساوية على ذلك وفاة رجل يبلغ من العمر 54 عامًا قبل أسبوعين بسبب موجة الحر أثناء عمله في رصف الأسفلت في مورون دي لا فرونتيرا. ومع ذلك، هناك فئة من الناس، بغض النظر عن طبيعة عملهم، أكثر عرضةً لتأثيرات ارتفاع درجات الحرارة.
من وكيف تؤثر؟

على المستوى الجسدي، تؤثر درجات الحرارة المرتفعة بشكل خاص على كبار السن، وكذلك على المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية أو الجهاز التنفسي أو داء السكري. وقد ثبت أن التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة ليس قاتلاً فحسب، بل إن مدة هذا التعرض لها قاتلة أيضاً. تشير البيانات إلى أنه في يوم ذي درجات حرارة مرتفعة، ترتفع نسبة الوفيات بنسبة 4% مقارنةً بالمتوسط المُقدَّر . وإذا استمرت هذه الدرجات لمدة يومين، ترتفع نسبة الوفيات إلى 10% في اليوم التالي، وإلى 22% بحلول اليوم الثالث. ويزداد الخطر بشكل أكبر لدى الأطفال دون سن السنة، حيث ترتفع نسبة الوفيات إلى 25%، وتتضاعف إذا كانوا يعانون أيضاً من أمراض الجهاز التنفسي أو الهضمي أو القلب والأوعية الدموية.
على الصعيد النفسي ، توجد أيضًا آثار مدمرة، إذ وجدت الدراسات صلة بين معدلات الانتحار وموجات الحر. وبالنظر إلى السجلات التاريخية، نجد موجة الحر الشديدة التي ضربت أوروبا عام 2003، والتي أسفرت عن ما يُقدّر بنحو 35,000 ألف حالة وفاة إضافية. ولمزيد من التعمق في هذه الآثار، يمكنكم الاطلاع على كيفية مساهمة تغير المناخ في ارتفاع درجات الحرارة.
من الضروري تذكر أهمية حماية أنفسنا من الحرارة عند ارتفاع درجات الحرارة. يُعدّ الحفاظ على رطوبة الجسم وتجنب النشاط البدني خلال ساعات ذروة الحرارة أمرًا بالغ الأهمية، لا سيما للفئات الأكثر عرضة للخطر، وكذلك لعموم الناس. وتزداد الآثار الضارة على أجسامنا كلما ارتفعت درجات الحرارة.

بيانات حديثة عن الوفيات المرتبطة بالحرارة
بحسب دراسات حديثة، توفي أكثر من 47,000 ألف شخص في أوروبا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة عام 2023، الذي يُعدّ العام الأكثر حرارة على مستوى العالم وثاني أكثر الأعوام حرارة في أوروبا. نُشرت هذه المعلومات في مجلة " نيتشر ميديسن" من قِبل فريق بحثي بقيادة معهد برشلونة للصحة العالمية (ISGlobal). ويُقدّر الباحثون أنه لولا عمليات التكيف التي طورتها المجتمعات عبر الزمن، لكانت نسبة الوفيات المرتبطة بالحرارة في العام الماضي أعلى بنسبة 80%.
استخدمت الدراسة سجلات درجات الحرارة والوفيات من 823 منطقة في 35 دولة أوروبية بين عامي 2015 و2019، لتطبيق نماذج وبائية تُقدّر الوفيات المرتبطة بالحرارة في عام 2023. ورغم أن صيف 2022 اتسم بارتفاع مستمر في درجات الحرارة، لم يشهد عام 2023 ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة، إلا أن موجتين من ارتفاع درجات الحرارة في شهري يوليو وأغسطس كانتا مسؤولتين عن أكثر من 57% من الوفيات العالمية المُقدّرة، أي ما يزيد عن 27,000 حالة وفاة. لمزيد من التحليل المُعمّق لتغير المناخ وتأثيره، يُمكنكم الاطلاع على معلومات حول موجات الحر.
الدول في جنوب أوروبا هي الأكثر تضررا
أظهر التحليل أن إجمالي الوفيات المُقدّر بلغ 47,690 حالة في عام 2023 في 35 دولة شملتها الدراسة ، منها 47,312 حالة وفاة حدثت خلال الفترة الأشد حرارة من العام، من 29 مايو إلى 1 أكتوبر. وبالنظر إلى عدد السكان، فإن الدول الأكثر تضررًا من حيث معدلات الوفيات المرتبطة بالحرارة تقع في جنوب أوروبا ، وتحديدًا اليونان (393 حالة وفاة لكل مليون نسمة)، وبلغاريا (229 حالة وفاة لكل مليون نسمة)، وإيطاليا (209 حالات وفاة لكل مليون نسمة)، وإسبانيا (175 حالة وفاة لكل مليون نسمة)، وقبرص (167 حالة وفاة لكل مليون نسمة)، والبرتغال (136 حالة وفاة لكل مليون نسمة). علاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن إسبانيا هي الدولة الأكثر تضررًا من موجات الحر في أوروبا.
زيادة تعرض النساء والأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 80 عامًا
تشير الدراسات السابقة إلى أن البيانات تُظهر ضعفًا أكبر لدى النساء وكبار السن. فعلى وجه التحديد، عند النظر إلى عموم السكان، كان معدل الوفيات المرتبطة بالحرارة أعلى بنسبة 55% لدى النساء مقارنةً بالرجال، وأعلى بنسبة مذهلة بلغت 768% لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 80 عامًا مقارنةً بمن تتراوح أعمارهم بين 65 و79 عامًا. لمزيد من المعلومات حول هذه الظواهر الديموغرافية، يُنصح بالاطلاع على المقال المتعلق بتعرض السكان لموجات الحر.
ربما يكون هناك تقدير أقل من العبء الحقيقي للوفيات المرتبطة بالحرارة
كما حذرت الدراسة من أن هذه الأرقام قد تقلل من حجم الوفيات الناجمة عن الحرارة. ونظرًا لعدم توفر سجلات يومية منتظمة طوال عام 2023، اعتمد الفريق على الإحصاءات الأسبوعية الصادرة عن يوروستات، مما قد يُسهم في هذا التقليل. وبناءً على ذلك، يُقدّر العدد المحتمل للوفيات الناجمة عن الحرارة في عام 2023 بنحو 58,000 حالة وفاة في البلدان الـ 35 التي شملتها الدراسة . وهذا يُؤكد الحاجة إلى رصد أكثر دقة للوفيات الناجمة عن الحرارة.
التكيف الاجتماعي مع الحرارة يمنع ما يصل إلى 80٪ من الوفيات
كان أحد أهداف الدراسة تقييم ما إذا كان هناك انخفاض في قابلية التأثر بالحرارة في أوروبا، وهو ما يُفهم عمومًا على أنه تكيف مع ارتفاع درجات الحرارة. ولتحقيق ذلك، حلل الفريق بيانات درجات الحرارة والوفيات من فترات سابقة (2000-2004، 2005-2009، 2010-2014، و2015-2019). وبإدخال بيانات عام 2023 في هذه النماذج، حسبوا أنه لو سُجلت درجات الحرارة في عام 2023 خلال الفترة 2000-2004، لكانت الوفيات المُقدرة المرتبطة بالحرارة قد تجاوزت 85,000 حالة وفاة ، أي بزيادة قدرها 80% عن قابلية التأثر بالحرارة في الفترة 2015-2019. وهذا يُبرز أهمية تطبيق سياسات فعّالة، كتلك التي نوقشت في المقال حول تأثير الجزر الحرارية الحضرية وتكلفتها.
من ناحية أخرى، تضاعفت الوفيات بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 80 عامًا ، حيث ارتفعت من 1,102 إلى أكثر من 2,200 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة، مما يدل على وجود تكيف اجتماعي كبير مع موجات الحر.
كما أوضحت إليسا غالو ، الباحثة في ISGlobal والمؤلفة الرئيسية للدراسة، "تظهر نتائجنا كيف كانت هناك عمليات تكيف للمجتمع مع درجات الحرارة المرتفعة خلال القرن الحالي، مما أدى إلى تقليل التعرض للحرارة وعبء الوفيات في فصول الصيف الأخيرة بشكل كبير، وخاصة بين كبار السن".
ما وراء الحدود الفسيولوجية للتكيف
صرحت البروفيسورة جوان باليستر كلارامونت ، الباحثة الرئيسية في منحة المجلس الأوروبي للبحوث (ERC) Consolidator EARLY-ADAPT، قائلةً: "في عام 2023، تجاوزت درجات الحرارة في ما يقرب من نصف الأيام عتبة 1.5 درجة مئوية المنصوص عليها في اتفاقية باريس، وتشهد أوروبا ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل ضعف المتوسط العالمي. ومن المرجح أن يتم تجاوز هذا الحد قبل عام 2027، مما يترك لنا فرصة ضئيلة للغاية للتحرك".
من الضروري تنفيذ استراتيجيات للحد من معدلات الوفيات خلال فصول الصيف الأكثر حرارة المقبلة، وتوفير رصد دقيق لآثار تغير المناخ على الفئات السكانية الأكثر عرضة للخطر. يجب أن تترافق تدابير التكيف هذه مع جهود التخفيف التي تبذلها الحكومات وعامة الناس لتجنب الوصول إلى نقاط تحول وعتبات حرجة في توقعات درجات الحرارة.
Forecaster.health، أداة للتنبؤ بمخاطر الوفاة حسب الجنس والعمر
أطلق الفريق البحثي المسؤول عن الدراسة أداةً جديدةً على الإنترنت، Forecaster.health . توفر هذه المنصة تنبؤات بمخاطر الوفاة المرتبطة بالبرد والحر، مصنفةً حسب الجنس والعمر. تستخدم الأداة نماذج وبائية لتقدير المخاطر الصحية الفعلية في 580 منطقة عبر 31 دولة أوروبية. وهي متاحة مجانًا ( https://forecaster.health/ ) وتقدم تنبؤات تصل إلى 15 يومًا مقدمًا. تتمتع هذه الأداة بإمكانية أن تكون حاسمة في الوقاية من الوفيات المرتبطة بالحرارة.
مشروع التكيف المبكر
تُعد هذه الدراسة جزءًا من مشروع EARLY-ADAPT ، الممول من قبل المجلس الأوروبي للبحوث، والذي يهدف إلى دراسة كيفية تكيف السكان مع تحديات الصحة العامة التي يفرضها تغير المناخ.
الوفيات المرتبطة بالحرارة في إسبانيا
قام فريق من العلماء من معهد تقييم البيئة وأبحاث المياه (IDAEA-CSIC) وجامعة فالنسيا بتطوير تطبيق يُسمى " الوفيات الناجمة عن الحرارة في إسبانيا" (MACE) . تستخدم هذه الأداة بيانات من نظام رصد الوفيات اليومي (MOMO) ودرجات الحرارة المسجلة من قبل وكالة الأرصاد الجوية الحكومية (AEMET) لحساب الوفيات الناجمة عن الحرارة المعتدلة والشديدة والمفرطة خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس.
شهد عام 2022 أحداثًا هامة، حيث سُجّلت 3,012 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة خلال 28 يومًا من موجة حر شديدة. وأوضح أوريليو توبياس، الباحث في معهد IDAEA ومؤلف الدراسة: "خلال صيف 2023، الذي يُعدّ ثالث أكثر فصول الصيف فتكًا على الإطلاق من حيث الوفيات المرتبطة بالحرارة، تم الإبلاغ عن 2,155 حالة وفاة، وذلك بعد موجات الحر التي ضربت إسبانيا عامي 2003 و2022". يُسلّط هذا الضوء على القلق المتزايد بشأن آثار الحرارة الشديدة على الصحة العامة، فضلًا عن حقيقة أن درجات الحرارة في إسبانيا قد بلغت مستويات مُقلقة. لمزيد من التفاصيل حول الوضع في إسبانيا، يُنصح بالاطلاع على المقال الذي يُحلّل ظاهرة الاحتباس الحراري في إسبانيا.
يتم تحديث قاعدة بيانات MACE يوميًا، وتتيح للمستخدمين حساب معدل الوفيات بناءً على بيانات السنوات الخمس الماضية. لا يقتصر دور هذا التطبيق على تسهيل عرض البيانات فحسب، بل يساهم أيضًا في تغيير السلوك العام من خلال تسليط الضوء على تأثير الحرارة الشديدة على الصحة.
ويؤكد الباحثون أن موجات الحر هي واحدة من التأثيرات الأكثر وضوحا لتغير المناخ، وأن عدد الوفيات المنسوبة إليها ارتفع في السنوات الأخيرة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 153,000 ألف حالة وفاة إضافية حدثت على مستوى العالم بين عامي 1990 و2019 بسبب موجات الحر. مع التأثير المتزايد لتغير المناخ، كان هناك زيادة ليس فقط في وتيرة هذه الظواهر ولكن أيضا في شدتها. حذر تقرير صدر مؤخرا من أنه في غياب إجراءات عاجلة للتخفيف من آثار تغير المناخ، قد يصل عدد الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة في أوروبا إلى أكثر من 2.3 مليون حالة بحلول نهاية القرن، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى سياسات فعالة للتخفيف والتكيف.

